ساعة وساعة


ساعة وساعة

إن التقدم الحضاري للأمم والشعوب في حاضرها وماضيها يستند على المهنة والعمل الدؤوب المقرون بالعلم السامي، و عليها فقد أولى  الإسلام العمل اهتماماً جم وجعله من ضروريات الحياة فهيأ الله لنا في الأرض معايش عديدة ووسائل متنوعة للكسب، قال تعالى:(هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور) [ الملك: 15].                       ولأهمية السعي في الأرض فقد تكررت كلمة العمل وتصاريفها في القرآن الكريم (359 مرة)، والمهنة هي: (النشاط الحياتي الذي يتخذه المرء وسيلة لكسب معاشه وإعالة أهله). وعلى هذا فلا يختلف اثنان على أهمية العمل سواءً على الجانب النفسي والجسدي والمادي ولأن الإسلام نظام متكامل عقيدة وشريعة فلابد أن تنبثق منه جميع تصورات حياة المسلم.

ففي حين أن الإسلام أوصى بالعمل و بأهميته فقد دعا كل فرد من أفراده إلى التوازن بين الحياة العملية والشخصية حيث أن التوازن مبدأ ثابت ومنظم فلا عشوائية ولا اختلال ولا فوضوية. في مقالتي هذه سأسلط الضوء على مفاهيم متعلقة في العمل انتشرت في الآونة الأخيرة، منها مفهوم: إدمان العمل(Workaholic) ويمكن تعريفه على أنه الجلوس المستمر والطويل في العمل حتى بعد ساعات العمل الفعلية دون توقف، وقد يترك مصطلح إدمان العمل لبعض الأشخاص دلالة إيجابية عند سماعه للوهلة الأولى ولكن في الواقع هو سلوك سلبي لابد من التخلص منه لما له من ضرر قد يقع على مدمن العمل. حيث يُعد أحد أهم مسببات الاضطرابات العقلية، والتوتر العصبي، والوسواس القهري، وعدم القدرة على ضبط الانفعالات، بل قد يصل الأمر إلى التوتر والاكتئاب الحاد إلى جانب اضطرابات النوم ومشاكل في العلاقات الاجتماعية  التي تنتج بسبب تعلق الإنسان بالعمل وكثرة التفكير فيه مع إغفال جوانب الحياة الأخرى. تقول الدكتورة دياني فاسيل) مؤلفة كتاب (تشغيل أنفسنا حتى الموتإن السبب الرئيسي لحالات إدمان العمل هي مادة الأدرينالين التي تفرزها الأبدان عندما نكون تحت ضغوط نفسية أو جسدية، وأكدت على ذلك بقولها أن عمل الشخص فوق طاقته يجعل الجسم يفرز هذه المادة ويُعطي الإنسان شعوراً بالاكتئاب، وتنتشر هذه الظاهرة الاجتماعية بشكل كبير في اليابان، ويطلق عليها اسم: كاروشي وهي أحد مسببات الوفاة المبكر في اليابان. ويسبب هذا المرض وحده بحوالي ألف حالة وفاة سنويًا، ويعتبر سببًا مباشرًا لخُمس حالات للإصابة بالسكتة الدماغية والقلبية لدى الأشخاص من دون الستين من العمر.

هل أنا مدمن على العمل؟

يطلق على الشخص مصطلح مدمن عمل إذا كانت تنطبق عليه الصفات التالية:

  • يعمل بشكل متواصل مع إهمال أخذ إجازات راحة من العمل.
  • يعمل أكثر من الساعات المطلوبة.
  • تتمحور كافة مواضيعه حول العمل نتيجة التفكير الزائد فيه.
  • يعاني من عدم الرضا عن الذات فهو دائمًا يبحث عن الكمال.
  • يعاني من عدم الرضا على الإنتاجية، لذلك نجده يعمل لساعات أطول ظنًا أن ساعات العمل الأطول ستحقق له رضا ذاتي.
  • لا يفوض الآخرين للقيام بأعماله ويظن أنه هو الأفضل دائمًا.

كيف أتخلص من إدمان العمل؟

يقال أن المفتاح الذهبي لحل أي مشكلة هي الاعتراف بها ويليها الإيمان التام بأن إدمان العمل سلوك مدمر على مستوى الجانب النفسي والصحي حتى في ظل تحقيق نتائج إيجابية على الصعيد المادي. ويجب أن نعي أن التغيير بحاجة إلى إرادة قوية للتغلب على هذا الطبع السلوكي. احرص على أن تكون لديك خطط واضحة محددة بوقت زمني ومكافأة إنجاز. كما عليك أن تتجنب إنجاز أكثر من مهمة في آن واحد. تجرد من أمور العمل والحديث عنها في المنزل طوال الوقت وذلك عن طريق الاهتمام بإغلاق هاتفك وبريدك الإلكتروني في غير أوقات العمل. خصص وقت لنفسك ولعائلتك وذلك عن طريق ممارسة نشاط ترويحي يخفف ضغوطات العمل. وأنت في مكان العمل حدد وقت مستقطع لممارسة رياضة استرخاء أو للحديث مع زملاء العمل حتى تتنشط الذاكرة وتبدع أكثر.

هكذا نظم الإسلام حياة الفرد فأمره بعمارة الأرض وإصلاحها مع الحرص على تحقيق التوازن النفسي والروحي، ولنا في حبيبنا محمد-صلى الله عليه وسلم- خير قدوة، فقد أتى حنظلة الأسيدي مع أبا بكر إلى رسول الله –صلى الله عليه وسلم-، قائلًا: نافق حنظلة يا رسول الله، فقال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: "وما ذاك؟." قال: يا رسول الله نكون عندك تذكرنا بالنار والجنة، حتى كأنا رأي عين، فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات نسينا كثيراً ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : والذي نفسي بيده؛ إن لو تدومون على ما تكونون عندي وفي الذكر لصافحتكم الملائكة على فرشكم، وفي طرقكم ،ولكن يا حنظلة ساعة وساعة ثلاث مرات ".

كل ذلك يدل على أن التوزان أساس مهم لحياة أفضل!

كتبته: شذى عبدالقادر الحسين